_____________
ما يزال ضجيج النسوة في الداخل يعلو ثم يخفت قليلا ثم يعقبه صراخ بلاسبب. الباحة التى تفصل السقيفة عن البيت ليست بالمكان الواسع فهي لا تتعدي بضع أمتار. تبدأ من زاوية البيت الغربية وتنتهي عند الطريق العام الذي أحدثه المارة ليسهل عليهم الولوج إلى مزارع الزيتون الوارفة والتى كانت خيراتها تذهب إلى روما ..
أردت أن أدخل على مجلس النساء لكنني خشيت تشهيرهن. .وتلميحاتهن الخبيثة ..سوف أتعرض لجملة من الأسئلة كوني كنت قد تعرضت للسحر ..والنساء تشتاق لمثل هذه الحكايات .كل النساء في العالم فضولهن غريب ..يشعرن دائما بهزاءم متتالية لذا تجد الرغبة جامحة للسيطرة على المحيط الذي يدرن في فلكه. .
تحت الضؤ الخافت الذي يعلو سطح البيت .رأيت جميلة تشرب كأس العصير في الباحة التى أمامي. إذ أنني اتخذت ركن عند خزان الماء وجلست على صخرة كانت بالجوار. .في البداية لم اتحرك من مكاني .إلا أن جميلة سألت إحدى البنات كانت واقفة إلى جوارها .أين عبدالفتاح ..؟ مما دفعني أن أخرج من مكمني. وأنا أقول. .أنا هنا ..أنا هنا .....
مدت كأس العصير لرفيقتها والتحقت بي ..كان وجهها مشعا تحت القمر ..حين ترفع رأسها إلى أعلى يبدو شعرها المتموج قد غطى نصف ظهرها ولامس أردافها بهدؤ. .في حين كانت مصاب الماء تمر بخفاء لا يكاد يرى من رقبتها. .بدت لي جميلة .جميلة ..قلت ..الليلة ستعرفين كم هو منعش هواء الريف ..حين يدخل لجسمك ثم يخرج يحمل معه هموم كثيرة ..قالت ..حقا ..! قلت نعم ..
قالت بحذر ..هل أستطيع أن أصعد ذلك المرتفع أين كنا قبل قليل .أريد أن أرى الأشياء من فوق ..في بيتنا هناك تبدو الأشياء اسفل منا كأنها مدربة على الحركة .الجميع يمرون على الأرصفة المبلطة بالسنوج والقرميد. تراهم يسرعون الخطى على عجل ..يصدمون بعضهم دون إعتذار ..نساء متلفعات بالبراقع البيضاء ..وبنات سافرات ..أطفال دونما رفيق ..يذرعون الحواري المظلمة حتى في وضح النهار ..ثم رفعت بصرها إلى أعلى. .أما هنا لا أرى غير الهدؤ. حتى الأصوات التى نسمعها الآن هي من واقع الحال .لطائر الوطواط .أو عواء حزين لثعلب ماكر ..تبادله نباح كلاب الحراسة ..ليس هناك خيال يمكن أن يخضع لتجارب الناس ..تلك هي الحياة ..ثم قالت ما رأيك؟ قلت بحزم ..الآن لا يجوز ..عما قريب تكون الوليمة جاهزة ..ماذا أفعل إذا ما أفتقدني والدي ..عوض عن ذلك لابد أن استريح قليلا. انام باكرا لأنني سأذهب إلى المدرسة غدا .مضت الآن أيام كثيرة لم احصيها بعد .وقد فاتني فروض كثيرة ..يجب أن نتعلم قدر ما نستطيع ليمكننا أن نشق طريقنا بسلام .هذا إذا تركنا الآخرين بسلام ...
سألتني دون أن تستجيب لما قلته قبل قليل .هل خططت لمستقبلك وماذا تريد أن تصبح عندما تكبر .؟ قلت رغم قناعتي أن ما نخطط له دائما يخضع لعوامل تحدث في حينها ..نظرتنا جميعا للحياة قد تتأثر في المستقبل .اعرف أناس يخططون أن يصبحوا شعراء ..أدباء. .خطباء مشاعر ..غلبتهم الظروف وأصبحوا الآن تجار .يتلاعبون بمشاعر الناس ..عروض المحبة لا يمكن أن تلتقي بعروض السلعة الأولى تجذب الناس لبعضهم والأخرى تخلق فواصل بينهم ..وأنا لم أخطط حتى الآن لما يمكن أن أكون لأنني قد أصبح تاجرا ويقاتلني المجتمع في الخفاء ..ولكن واقع الأمر أريد أو أتمنى أن أصبح ساحرا ..ضحكت من إجابتي حتى كاد أن يغمى عليها...
______________________
بقلمي.. يوسف الهمالي