مشاوير 55..
___________
لا أدري كيف خالجني ذاك الشعور .كأنني أودع طفولتي المبعثرة على ثرى بلدتي الناعسة. يشقها واد سحيق. يبدأ من عمق الصحراء حيث تربض ممالك هجرها الزمن وهي تطارده أينما ارتحل. شعوري كان غريبا .للحظة مرت أعوام عمري لدقائق تذكرت خلالها كل شيء. بيت العرافات ونهر كأمبس وصديقتي ليلي ..أستاذ اللغة كان يقول .لا عليكم يجب أن تحتفظوا بذاكرة خصبة هي زادكم أينما كنتم ..
قبل أن نصل إلى مدينة ترهونة التي احتظنها الزيتون كأم رؤوم. تذكرت كيف مررنا بها ذات عام .كنا قاصدين آبار مجي هناك لنا حاجة عند رفاق والدي في الزمن الغريب .رأيت في ترهونة مدينة اكتحلت بالخضار .حوانيت مفتوحة على مصراعيها .ومسجد عتيق يطرق اسماع الجميع .كان الوقت ظهرا حين مررنا بها التقينا القوافل القادم من تيني ناي .كانت تترنح من اهوالها. استقبلها الشيوخ بحفاوة بالغة .وقفوا علي جانب الطريق يتلفعون بالجرود البيضاء والحمراء. يحملون خبز التنور وقرب الماء .حياهم والدي .سألهم عن اخواله في سوف الجين .قال رجل عفى عليه الزمن ..لا تسأل عن سكان اسفل الوادي هم دائم بخير ..أمطار هذا العام فاضت حتى تقرع الوادي كما سمعتم أم أنكم لم تسمعوا؟ سمعنا سمعنا قال والدي ..ولكن إلى أين أنتم ذاهبون ..؟ إلى بلاد الغرب سنبيعهم الاصواف والجلود ونجلب من عندهم الحولي واواني الفخار ..قال والدي وفقكم الله ..ربما زرناكم في العام المقبل ..هذه هي المرة الوحيدة التي رأيت فيها بعضا من عمائر ترهونة .وكنت أتسائل دائما عن هذا الطريق الذي نمر منه الآن الي اين يفضي .حتى أدركت انه يحمل الناس إلي الغربة ..الغربة التي قد لا تنتهي ..الي طرابلس البيضاء والزرقاء .وهي تتقاسم وجودها مع البحر الذي استسلم لوهج الشمس والاجساد. لم تتكلم أحلام منذ أن غادرنا رأس العيد .إلا عندما تركنا ورائنا ترهونة وقد انسحب قاطنيها الي نبع الشرشارة حيث مصاب الماء والظل الظليل. .قالت أحلام. تركنا البلدة ورائنا والغريب لا توجد سيارات بالحجم الذي في طرابلس ..كنت أود أن اجيبها. إن نصف سكان المدينة التي تسكنها نزحوا من هنا .غرباء يعيشون على حافة الزمن وقد أنفقوا ولازالوا أربعة آلاف رحلة يومية من هنا الي هناك والعكس صحيح ..أنفسنا هي التي تتصدر بوابات مدينتهم لكننا نكره البحر ...كنت أود أن أقول لها سياراتنا تملأ شوارعكم أما هنا لاحاجة لنا أن نركبها طالما هناك مايشدنا من جمال لا ترونه انتم وتفتقرون له. وكل ما لديكم مجرد مساكن وعمارات من الطوب الأبيض. .وفي احسن الأحوال ترمون بهمومكم للبحر ..وأنا سيكون لي حديث طويل مع ابن الزرقاء ..كنت أود أن أقول الشيء الكثير عن بلدتي ليس من باب الدفاع عنها .وإنما لاعتزازي بها ..وها انا احمل وجوه شخوصها في الذاكرة بعد أن حرموا منها ..سوف أطلق سراحهم عند أول بوابة لربما عادوا الي ترهونة وعاد معهم ثلث سكان ليبيا ...
____________
علي غالب الترهوني
بقلمي